بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فحينما تظهر كمائن البشر وفضاءات الأرواح
يتجلّى تباينٌ عميق بين الناس ..
فهناك أرواح كالنَّسيم العليل تُهدي القلوب طمأنينة وسكينة
وهناك أرواح أخرى كالعاصفة الرملية والزوبعة العاتية تُثقل الكاهل وتُكدّر الخاطر.
فالإنسان المريح:
هو ذاك الذي إن حضر أشرقت النفس بلقائه، وإن غاب ظلّ أثره الطيّب يفوح في المجالس كالمسك والعنبر؛ حضوره أمن، وكلامه سكينة، والنظر لعينيه سرور وأُنس.
هو إنسانٌ لكن ليس كأي إنسان
ليّن العريكة، واسع الصدر، لا يُكلّفك عناء التكلّف، يفيض قلبه بالخير للغير ..
لا يرقب الزلل، ويلتمس العذر؛ بل يقبلها بسماحة صدر ..
موطأ الأكناف المرهقة .. لا يؤذي من مال إليه
تذوب بين يديه الحواجز، فكأنك تعرفه منذ دهر وأنت ربما لم تلتقِ به إلا ساعة من نهار ..
وقد وصف النبي ﷺ هذه الطينة المباركة والروح النقية، وبيّن فضلها وجزاءها فقال:
“حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس”.
تراه أليفًا مألوفًا ..
إذا ذُكر رسمت على جوه الناس بشاشة ..
كما قال ﷺ:
“المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف”.
مثله كمثل (النحلة)
إن وقفت على عود لم تكسره، وإن أكلت أكلت طيبًا، وإن وضعت وضعت عسلاً ..
وحينما تمتطي الهموم صهوة القلوب، وتشدّ زمامها:
تجد القلوب بجواره منفسًا، والصدور معه منفثًا، وقد قيل:
وَلا بُدَّ مِن شَكوى إِلى ذي مُروءَةٍ … يُواسيكَ أَو يُسليكَ أَو يَتَوَجَّعُ
أما غيره ..
ذلك الثقيل في مجلسه، المكدِّر للخواطر حين رؤيته ..
تشعر النفس بوطأته قبل أن يتكلم، وتستثقل الجوارح مجاورته لغلظ روحه وجفائه ..
هو حُمّى للروح .. وزكام للنفس
متتبّع للعثرات .. مستنزف للطاقات
هو الذي
إن تكلّم ثقل على القلوب بتعاليه وفضوله ..
وإن صمت كان كالصخرة الجاثمة؛ لا يُحسن أن يُفيد فيُستفاد منه!
كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سمين فيُنتقى ولا سهل فيُنتقل
قال الإمام ابن القيم:
“ومنهم من مخالطته حُمّى الروح، وهو الثقيل البغيض العثل، الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك”.
مجالسته كوجع الضرس يشتد حين رؤيته وتسكن آلامه حين مفارقته ..
داء عُضال ومرض مزمن .. لا تربح منه دينًا ولا دنيا
ونُقل عن الإمام الشافعي قوله:
“ما جلس إلى جانبي ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر”.
مجالسته حمى الربع!
وأما عن مشاعر من يجالسه فهو دائم التوجس!
يحسب لألفاظه ألف حساب، ولا يأمن بوائقه، ولا يسلم من سوء ظنه
فالهروب منه سلامة .. والابتعاد عنه موطنًا للراحة
وكان التابعي الجليل الإمام الأعمش إذا رأى ثقيلاً تبرّم به ودعا طلباً للراحة من وطأة حضوره.
فالبشر منهم المؤنس للقلب الذي لا تود مفارقته ..
ومنهم الذي يغمك بمجرد نظرك إليه!
والأرواح جنود مجندة ..
قال الثوري بعدما فارقه عمر بن حوشب:
”لقد ثقل علي حين دخل ولقد غمّني قيامه من عندي حين قام”.
وجاء رجل إلى يحيى بن سعيد يسأله عن أحاديث وطول عليه فقال له:
“ما أراك إلا خيرا مني ولكنك ثقيل!”
خلاصة المشهد:
أن الفرق بين حامل المسك ونافخ الكِير
ليس في الملامح ولا في الأجساد، بل في لطافة السريرة ونقاء الطوية ..
فصاحب المسك مأوى للأرواح الواهنة، وترويح للقلوب المضنية، يمنحها شعوراً بأن العالم ما زال بخير
بينما نافخ الكير يُضيّق عليك الفضاء رغم اتساعه!
وصدق الإمام الأعمش بقوله:
“ما الفيل تحمله ميتًا بأثقل من بعض الجلساء”.
وكتبته:
د. هيا بنت سلمان الصباح
-حفظها الله-
نفع الله بك
مخالطة الناس في هذا الزمان لها اضرار كبيرة على الفرد
فمن الصعب ان تلقى من تستفيد منه ..
مصاحبة القرآن خير من الناس .
جـزاكِ الله خيــࢪاً ونـفع بـڪ🌱
كيف يتخلص المرء من ثقل طبعه ويصبح خفيف الروح؟؟
لا فض فوك وسلمت دكتورتنا الحبيبة
نسأل الله أن يوفقنا لحاملي المسك ويجنبنا حاملي الكير
جزاك الله خيرا ونفع بك
جزاكم الله خيرا مقال يثلج الصدر ويريح النفس
اللهم اجعلنا من الموطؤون اكنافا الذين يألفون ويؤلفون
هل حامل المسك هو الجليس الصالح وحامل الكير هو الصاحب السوء ؟
والنفس الثقيله هل يكون صاحبها رغم صلاحه إلا انه لا يعرف الضحك والألفه والتألف ؟
والنفس الخفيفه يكون غير صالح ولكن خفيف النفس ويضحك ويألف وله علاقات جميله ؟
وجزاك الله خير وجعله الله في ميزان حسناتك يارب
ام عبدالعزيز
الجمعة / 5 جمادى الأولى 1448 / 16 اكتوبر 2026