الخلوة

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله عبده المصطفى ونبيه المجتبى، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا، وبعد:

خلوةٌ بترحٍ في طاعةِ الله خيرٌ من جلوةٍ بفرحٍ في معصية ِالله، اختار ذلك يوسف؛ فقال:

﴿ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ﴾

 

ولقد حببت لنبينا الخلوة، فكان بأبي هو وأمي يبتعد عن البشر ويختلي في حراء، ذلك الغار الذي طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع؛ بقعة صغيرة كانت فيها أُنسه وابتهاجه، لا يرجع إلى أهله حتى يفني فيه زاده.

لا يضيع من كان مع الله

فمهما بلغ الظلام عنان لياليَّ الزمان، ودمستْ أنوار الصباح أعين الأنام؛ فمع الله كمد الحياة روضةٌ من رياض الجنان.

عندما

 يخلو القلب من دخان أنفاسِ بني آدم

عندما

 يصفو الذهنُّ من ألسنةِ قيلَ وقال بنو آدم

عندما

تسمو النفس مع الانشغال بحالها والتفكرُ بمعادها

 تكمنُ حياة القلوب، ويجذر ساقُها؛ كالنخلة الباسقة التي اشتدَّ عودُها، فصار أصلها ثابتًا برباط الله لها.

ومن أسباب صلاح القلب؛ الخلوة مع الله، حيث الخبيئة الصافية من شوائب الشهرة ومفاسد الظهور، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

“ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه، وذكره، وصلاته، وتفكره، ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره”[1].

فلا تضيقنَّ من وحدة الحال؛ فالخلوة مع الله تثمر طيب الثمار، هذا الزركشي قد قنَّنَ رسالةً له لطيفةً سماها:) معنى لا إله إلا الله)، قال رحمه الله في مقدمة رسالته:

علقتُها في ليلةٍ ليس لي فيها سمير غير المحبرة والسراج، ولا أنيسٌ غير الفكر الوهاج[2].

وعندما نتأمل حال الأئمة

نرى قول عبدالله ابن الإمام أحمد يصف حال والده فيقول:

“كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة، أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسوق”[3].

الإمام أحمد آثر الخلوة والوحدة، لأن خلوته عُمرت بالطاعات والعبادات حتى أغنته عن مجامع القوم ومحافل الناس، فأثمرت خلوته غناه عن الدنيا وما فيها، حتى قال:

“رأيت الخلوة أروح لقلبي”[4].

في هذه الدنيا

ستجد موضع خلوة لقلبك لا ريب، فإن وجدته فظفر به واتخذه لنفسك ،،،

واعلم

أن الجواذب ستجذبك وأعظمها نفسك التي بين جنبيك، فكن يقظًا واعرف طوارقها، حتى تأخذ حذرك منها، ولا تضرك إذا خلوت وأنت فيها!

[1] الفتاوى، (10/426).
[2] معنى لا إله إلا الله، (ص: 59).
[3] حلية الأولياء، (9/184).
[4] سير أعلام النبلاء، (11/226).


وكتبته:

الفقيرة إلى فتح الفتاح

 هيا بنت سلمان الصباح

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل مع الدكتورة