بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الحقيقة
أن كثيرًا ما يسرح فكري في حال:
أبي حاتم الرازي مع أبي زرعة الرازي
فهذان العالمان الكبيران قد تزاملا في طلب العلم
شبّا معًا، وتصاحبا فيه، وارتحلا وتزاملا حتى كبرا وكبر علمهما معًا ..
عاشا في زمانهما كالشمس والقمر
مات أبو زرعة سنة: (٢٦٣هـ) ومات أبو حاتم سنة: (٢٧٧هـ)
فعاش بعد صاحبه أربع عشرة سنة!
وكثيرًا ما يسرح الخاطر في حال أبي حاتم خلال هذه السنوات التي فقد فيها أقرب مخلوق إليه صحبةً ونشأة ..
عاش معه الليالي والأيام والشهور والسنوات، ثم يغيب ويتركه!
ثم انقضت تلكَ السنونُ وأهلُها ** فكأنها وكأنهم أحلامُ
ولكن الذكريات لا تفنى من الروح ولا تبيد ..
وهل الحياة إلا (ذكريات)! فهي كعود الشجى أعيا الطبيب المداويا
كلما ناحَ قِمْريٌ وأورقَ عودٌ، وسجعت بلابل الدَّوحِ على الغصون …
هاجت روحها في الخاطر:
ماثلة قريبة أنيسة آسرة
تنتزع القلب إلى سالف الزمان
فإما بسمة على الوجه بانت، وإما دمعة على الوجنتين سالت!
فلا يملك معها المرء إلا الإذعان لسطوتها، والسير نحو بغيتها ..
حتى يغيب في أعماقها، ويسرح في ثناياها، ويستظل بظلها الوارف …
وهي في المقابل لا تتركه إلا وقد كدّه الشوق، وأضناه الحنين!
تَلفَّتُ أطرافي ألمُّ شتائتاً ** من الذكرياتِ الذاهباتِ الرواجعِ
تطوف بالمرء خريف الذكريات
فيجفّ عوده
ويتساقط ورقه
إلا أن مشاعره تبقى غضة طرية
ترتوي من ذكريات الربيع، وتتفيأ ظِلالها …
للذكريات (وفاء) فاق أصحابها!
فالجميع يرحل وهي باقية، والكل يمضي وهي تأبى إلا الخلود
وكل شيء له أمد، إلا الذكريات تبقى للأبد ..
فلا تنسوا أحبابكم ورفقاء دروبكم من طيب الدعاء.
كتبته:
الفقيرة إلى فتح الفتاح
هيا بنت سلمان الصباح