{فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ}

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

رأيتُ النَّاس في صراعٍ ونزاع، وعداوةٍ بينهم قائمةٍ وبغضاء، لدنيا فانيةٍ، جذوُرها هاويةٌ

فتذكرتُ الموت فينةً، فمسكتُ القلم فسالَ مقيله

قال الله تعالى: ﴿فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ﴾

هي المصيبة حقًا، لا مصيبة عداوة القريب، ولا ظلم البعيد، قال القرطبي في تفسيره:

“قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبةً عظمى، ورزيةً كبرى؛ فأعظمُ منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وترك التفكر فيه؛ وترك العمل له؛ وإنًّ فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة ًلمن تفكَّر”[1].

والأعظم ُمنه الغفلة عنه!

فلا تكنْ ممن حملَ ضنين أعباء الدهر، بلْ كنْ ذاك المتأهب الوجل لمضجع القبر ،،،

من المعلوم:

أنَّ الدنيا بحاجة إلى صبر ٍعن شهواتها ولذائذها، وصبرٍ على آلامها ومصائبها؛ فكبِّروا عليها أربعًا، وليكنْ الهمُّ همَّ الآخرة.

القلب ينتفع بذكر الموت إن ْكان سليمًا من أدران الدنيا، أما المشغول بالدنيا فلن ينجعَ معه ذكر الموت في قلبه.

يومًا بلا ريبٍ

سنكون أجسادًا هامدةً، فلا بُدَّ للقلوب أن تُوقنَ وتُذعن

 سنُحاسبُ على الكبير والصغير، والدقيق والجليل ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾

 

لم يقصمْ رقابَ الجبابرةِ، وظهورَ الأكاسرةِ، مثل الموت!

كسر آمالهم من قبل ما كانت قلوبهم عن ذكر الموت نافرةً، فجاءهم الحقُّ فأدراهم في الحافرة، الدنيا كانتْ لهم ما بين ضياءٍ مهدٍ وظلمةِ لحد

فأين هم؟ 

﴿هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا﴾

 

فلا تعجبْ أنْ يكون أشقياء الآخرة هم بالأمس أقطاب الأولى

 ليكنْ لك ذخيرة ٌنافعةٌ؛ من دعاءٍ لا يبلى، وعملٍ صالحٍ لا يخيبُ، نابعٌ من إيمانٍ صادقٍ، ومجاهدةٍ باسلةٍ.

ليكنْ حالُنا ذاك الرجل الذي به من الرجاءِ والبرحاءِ ما يبكي الدموع دماء، فإنَّ هذه الدار خلاءٌ والآخرة هي دار البقاء.

تـزوَّدْ من الدنيـــا فإنـَّــك لا تـــدري *** إذا جنَّ ليلٌ هلْ تعيشُ إلى الفجرِ

 

رحمَ اللهُ السلف فقد كانتْ قلوبُهم رقيقةً، ودموعُهم غزيرةً خشيةً من الله Y والدار الآخرة.

كان لعمر بن الخطاب t في وجهه خطان ِأسودانِ من كثرةِ الدموعِ.

وكان ابن عباس رضي الله عنهما أسفل عينيه مثل الشراك ِالبالي من كثرة البكاء.

قال النبي ﷺ يومًا:

“لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا”[2]، فغطَّى الصحابة وجوهَهم من بعد كلامه وأصبح لهم خنين.

لنستعد حقًا وصدقًا ليوم ٍتشيبُ لهوله الولدان ،،،

وما الدُّنيا بباقيةٍ لحيٍ ***      وما حي على الدُّنيا بباقٍ

 

هذه الدنيا

فيض من الذكريات، وستجري يومًا مع أمواج بحر النسيان، وكل ما فيها سيغدو ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾

 

الموت

هو الحق الراسخ، واليقين الجازم، والمصير الخالد

والموفق من تساءل في يومه ولياليه، هل خطى قدمي اليوم على عتبة قصرٍ أم حافة قبر؟!

فملك الموت يؤمر بنزع الروح، ولا يعرف صغيرًا أو كبيرًا، قال ابن الجوزي:

 “فإنَّ أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشُّبان، ولهذا يندرُ من يَكْبر”[3].

وقد أنشدوا:

يُعَمَّرُ وَاحِدٌ فَيَغُرُّ قَوْمًا    *** وَيُنْسَي مَن ْيَمُوْتُ مِنَ الشَّبَابِ

لا مناص من الموت، والتوسد تحت التراب { إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8]

وهل يتجافى عني الموتُ ساعةً؟!

وإن كانت روح المؤمن تسيل كالقطرة، إلا أن للموت سكرات، ذاقها أحب الناس إلى الله؛ نبينا محمد ﷺ بأبي هو وأمي.

نزع الروح من الجسد ليس بالأمر الهيّن، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: ” فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ”[4].

فتأمل

إن جُذب من البدن عرقًا واحدًا لكان ألمه عظيما، فكيف والمجذوب كل عرقٍ من عروقه؟!

حقيقٌ على من عرف أن الموت مورِده، والقيامة موعِده، والوقوف بين يدي الجبار مشهده؛ أن يتوب وينيب ويكون العمل الصالح في هذه الدنيا غاية رغبته.

اللهم اجعل الموت تذكرةً لقلوبنا ما حيينا، وارزقنا حسن الختام، وتوفنا مع الأبرار.

 

 

[1] تفسير القرطبي، (6/352).
[2] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (1044)، ومسلم في صحيحه برقم: (901).
[3] صيد الخاطر، (ص: 206).
[4] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (4446).



وكتبته:

الفقيرة إلى فتح الفتاح

 هيا بنت سلمان الصباح

لا توجد أفكار عن “{فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ}”

  1. Pingback: difference between cialis and tadalafil

  2. Pingback: need help writing an essay

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل مع الدكتورة