الإعراض

الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرا، أما بعد،،،

قال ابن الملقن عن سماتِ نبينا محمد ﷺ:

“من حُسْنِ لطفهِ ﷺ أنَّه لم يؤاخذْ أحدًا بما فعلَ ولكن يُعرض، وهكذا كان دأبه ﷺ [1]“.

قلت:

من سمات النبي ﷺ الإعراضُ، وقد كان ﷺ معرضًا، ماسكًا زمامَ نفسه في غضبهِ وحزنهِ، وذلك في أكثرِ من موضعٍ من مواضع حياته.

فها هو ﷺ مع أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه حيث يقول أنس: “خدمتُ النبي ﷺ عشرَ سنين فما قالَ لي أفٍ قطُّ، وما قالَ لشيءٍ صنعته لم صنعته، ولا لشيءٍ تركتُه لم تركته”[2].

ولا ريبَ أن النبي ﷺ بشرٌ ينزعجُ ويغضب، لكنْ كان فعلُه أمامَ ذلك كلِّه أنه (يُعرض).

وها هو ﷺ مع وحشي حين قتلَ عمَّه حمزة رضي الله عنه وأرضاه، فعل أمرًا تكادُ دماءُ العروقِ تنصهرُ من شدةِ صنيعه، لكنَّ النبيَّ ﷺ أعرضَ عن جداله، واكتفى بقوله له: “فهل تستطيعُ أنْ تغيبَ وجهَكَ عني”[3].

وها هو ﷺ مع زوجاته حين أعرضَ عنهن، واعتزلهن شهرًا، ولم يجادلهنْ على ما سأَلْنه من مطالبٍ رضوانُ الله عليهن.

في الإعراضِ سلامةٌ للدينِ والقلوبِ، ونفعٌ أن لا توغرُ الصدور، وأنْ لا تُفْسَد خوالجَ النفوس.

 

وهو أنجعُ دواءٍ لمن أساءَ إساءةً مقصودةً، ولمن يتحدثُ من وراءِ جهالةٍ مغمورة.

ومن الكياسةِ عدمُ الجدالِ مع الجاهل، ومع الذي لا يريدُ إلا إثباتَ حُجَّتهِ ودحضَ حُجَّةِ غيره، وكأنَّ همهُ الأعظمَ وشغله الأكبرَ أنْ يصيبَ وسطَ الدريئة ،،،

 يرى قوله فتاةً حسناءَ، ويرى قول غيره عجوزًا شوهاء!

 حاله كما قال تعالى:

﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾

 

وأنا لا أستلبُ القارئَ لتركِ المناظرةِ لمن كان لها كفئًا، ولا أنْ يجيبَ عن الشبهاتِ لمن كان لها أهلاً ،،،

 

إنما أدعو نفسي وغيري أن نسيرَ على هدي النبي ﷺ في الإعراضِ ومسكِ زمامِ النفس عند الغضبِ والحزن، وعند من لا ينفعه الكلمَ ومحابرَ القلم.

للناس سرائر

نرى ظاهرها كأنَّها أديمُ السماء، تتلألأُ كالكوكبِ الدري في جنحِ الظلام.

 فتظهرُ لنا يومًا على ألسنتِهم وأفعالِهم كبدًا مقروحةً، لا مشترٍ لها في سوقِ القلوبِ ولو بأبخسِ الأثمان.

هذه وهي مستورة!

فلو أُظهرتْ لك من وراءِ الحجبِ والستر؛ وددتُ لو تسيرُ فارًا عن وجهها السالخ، وحالها الهالك.

 

﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ﴾

 

كم قطعَ الجدالِ والضغائنُ حبالَ الأنسابِ الوشائج، وميثاقَ الصداقاتِ الأواصر.

 

فعليكم بالإعراض

حتى تسلموا بالأرحام، وتصونوا القلب، وتحفظوا سقف الصداقةِ والمعارف ،،،

 

وكما هي القاعدةُ الأُصولية التي يُستنبطُ منها الأحكامُ الشرعية، والتي في المقابلِ هي لنا منهجُ حياة:

(أنَّ السكوتَ في مقامِ الحجة ِوالبيانِ بيانُ).

 

وقد كان هذا حال يوسف؛ من قبل:
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ﴾

تصيبك في هذه الحياة سهام التهم، ‏وعواصف الكلم، والتهكم ‏وأنت أصدق الصادقين، فما إن تبصر الحال الذليل بسبب الصمت القاهر الدفين؛ ‏إلا وشهدت العين لا تكاد تملك مدامعها سخًا وتذرافا ،،،

‏أسرتُ فؤداي ثمَّ أطلقتُ أَدمُعي *** ‏وحاولتُ أني للملامةِ أَكتمُ

‏ومن قلبهُ صادقًا كيف حالهُ ** ‏ومن سِرُّهُ في جَفنهِ كيف يكتمُ

‏ أيها الطاعن

سنعرض! ولكن لا تسأل بعد ذلك عن عهدٍ عامر، ورياضٍ زاهر، ‏قد تدفقت سهام الكلام كالأنهار في البحار حتى غرقت وقبرت نفوس الكرام.

[1] التوضيح، (1/524).
[2] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (2768)، ومسلم في صحيحه برقم: (2309).
[3] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (4072).




وكتبته:

الفقيرة إلى فتح الفتاح

 هيا بنت سلمان الصباح

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل مع الدكتورة