المداراة

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

من ْمنهجِ النبي ﷺ في التعامل مع البشر (المداراة)، حتى تظلَّ علاقات البشر في مقام الوسطية السَّمْحاء،  فلا تثبت صاعدةً فتندمَ، ولا تستقرُّ هابطةً فتخسرَ.

ويحفظ الإنسان حاجته بمداراة من بيده الحاجة، وكأنه يحفظ نفسه من هياج الأمواج الثائرة على السُّفن الزاخرة.

ثَبَتَ عنه ﷺ من حديث عروة بن الزبير، أنَّ أمنا عائشة رضي الله عنها أخبرته أنَّه استأذن على النبي ﷺ رجل، فقال:

“ائذنوا له، فبئسَ ابنُ العشيرةِ أو بئسَ أخو العشيرةِ، فلما دخلَ أَلَانَ له الكلامَ، فقلت لهُ: يَا رسولَ اللهِ، قلتَ ما قلتَ، ثمَ أَلَنْتَ لَهُ في القولِ.

فقال ﷺ: أَيْ عائشة، إنَّ شرَّ الناس منزلةً عند الله جل جلاله من تركه الناسُّ اتقاءَ فُحْشَه”[1].

ويذكر عن أبي الدرداء رحمه الله، أنه قال:

“أِنَا لِنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَنَضْحَكُ إِلَيْهِمْ، وَأِنَّ قُلُوبَنَا لِتَلْعَنِهُمْ “[2].

ونحنُ نعيش

 في أزمنة ومجتمعات تُلْزِمُنا أن نتعامل مع بعض البشر بالمداراة؛ فكم شَهِدْنا صنوف المشاهد، وأفانينَ المناظرِ، وغرائبَ المسائلِ، وعجائبَ الحكاياتِ!

نُداري لِنَكْفِي أنفسنا شرَّهم، ونصد َّ عنا بوائقَهم، وإِنْ كانت بين جنبات الصَّدر لوعةٌ تعتلج، حتى لا تدنو بنا كلمةٌ، وتَنْأى بنا أخرى، وتَجذِبُنا دمعةٌ وَتدْفَعُنا بسمةٌ، قال أبو سليمان الخطابي:

إِنْ تـلقـكَ الغربـة في مـعـشرٍ *** قد جُبلَ الطبعُ على بُغضهم

فدارِهـم مـا دُمـت في دارِهم *** وأرضهم ما دمت في أرضِهم

كمْ مِنْ حقدٍ رُسِم على الوجوه، وَكمْ من مقتٍ بانَ في محاجرِ العيونِ

وَإِنْ كان من الرزايا ما لا يُطاقُ احتمالُه ولا يُسْتطاعُ تجرّعُه، فعلى العاقل اللبيب أن يُمْسِكَ زمام نفسه، ويداري على كلِّ رزءٍ مهما جَلَّ شأنُه، وعَظُمَ حالُه، ويحافظ على حاجته، ويكون مع القوم أصمَّ وإنْ كان سميعًا، أعمى وإن كان بصيرًا، صامتًا وإن كان قادرًا نطوقًا، حتى لا يكون ممن بنى البناء ليهدمَه، وزرع الروض ليحرقه، ونَظَمَ العقد ليبدده ،،،

قال الحسن البصري: “كَانُوا يَقُولُونَ: اَلْمُدَارَاةُ نِصْفُ اَلْعَقْلِ، وَأَنَا أَقُولُ هِيَ اَلْعَقْلُ كُلُّهُ”[3].

شريعة الله جاءتْ لتسلَّ من القلوب أضغانها وأحقادها، فتأملوا:

 كيف أَنَّ الله جلَّ في علاه أمر نبيَّه موسى عليه السلام؛ أَنْ يخاطب عدوَّه باللطف واللين، فقال في مُحكمِ آياتِهِ:

﴿ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ﴾

قال ابن كثير رحمه الله:

“هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ فِي غَايَةِ الْعُتُوِّ وَالِاسْتِكْبَارِ، وَمُوسَى صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ إِذْ ذَاكَ، وَمَعَ هَذَا أُمِرَ أَلَّا يُخَاطِبَ فِرْعَوْنَ إِلَّا بِالْمُلَاطَفَةِ وَاللِّينِ”[4].

وهناك فرق بين (المداراة) و(المداهنة):

فالمداهنة هي دفع الدين لأجْلِ نيل شيئًا من الدنيا، كَمَنْ تَتَخَفَّفَ بالحجاب لأجل عملها ووظيفتها، وكَمَنْ يرضى بالاختلاط لأجل راتبه وعلو منصبه.

وأما المداراة فهي دفعُ شيئًا من الدنيا لأجل الحفاظ على حاجة من حاجات الدنيا والآخرة دون أن يتعرَّضَ دينه بشيء، كمن يحفظُ دينه بمداراة الرافضين له، فيصون جبينه الساطع، وثوبه اللامع من أن يُدنس بعرضٍ من الدنيا زائل.

قال القرطبي رحمه الله في الفرق بينهما:

“أنَّ المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحةٌ ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا”[5].

لن تسلم من ألسنة الأنام!

جاء بالحديث أن رجلاً قال: ‏”يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ: ذَاكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ”[6].

العبرة بمدح الله وحده، فمدحه ﷻ هو المقام الأسمى والمفاز الأعلى، ولا يخلو الانسان من مادحٍ له وذام، وغالب ذلك منزعه الهوى لا الحق والعدل.

‏والعاقل

 ‏يسمو ويجعل همه مدح الله وحده، ويحذر ذمه جل جلاله ‏وحده، وقد قال الإمام مالك رحمه الله:

‏”ما زال الناسُ كذا لهم صديقٌ وعدو، ولكن نعوذُ بالله من تَتابع الألسنةِ كُلِّها بالذم”[7].

فلا تداهن في دينك لأجل مدح البشر، ولا تخلط بين المداراة والمداهنة في العبر ،،،

نسألُ اللهَ أن يكفينا شرورَ الناسِ وأذاهم، ويحفظنا بحفظه ويرعانا برعايتهِ.

 

[1] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (6032)، ومسلم في صحيحه برقم: (2591).
[2] شعب الإيمان للبيهقي، (10/430).
[3] الآداب الشرعية، (3/468).
[4] تفسير ابن كثير، (5/294).
[5] المفهم، (6/573).
[6] أخرجه أحمد في مسنده برقم: (27847).
[7] حلية الأولياء، (6/321).



وكتبته:

الفقيرة إلى فتح الفتاح

 هيا بنت سلمان الصباح

لا توجد أفكار عن “المداراة”

  1. فاطمة الرشيدي

    بارك الله فيك دكتورة ،، ذكرتي نقطة مهمة في التعامل نكاد نراها تتلاشى بين الناس ،، الله ينفع فيك ويكثر من امثالك .

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل مع الدكتورة