وَهْن النسويات..

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

وصلتني هذه الرسالة من:
امرأةٌ في ريعان شبابها وصلتْ إلى فكرٍ مظلم بسبب النسوية!

تقول السائلة:

أستاذتي الكريمة لدي عدة أسئلة أريد لها أجوبة، لأني تعبتُ فعلًا من الغرقِ في عالم المرأة والنسوية منذُ كان عمري حوالي خمسةَ عشرَ، وأنا الآن ثمانيةَ عشرَ وحياتي شبهُ جحيم ٍوأرقٍ وتعبٍ واكتئاب!

بدايةً أريدُ أن أفهمَ ما هو دور المرأة في الحياة أو الغاية التي خُلقنا من أجلها؟

هلْ المرأة خُلِقَتْ لمتعة الرجل ولذتهِ فقط؟

فمثلًا:

1- قول رملة بنت الزبير: “ولكن المرأة لم تخلقْ للدخول بين الرجال، إنَّما نحن رياحينُ للشمِّ والضمِّ، فما لنا وللدخول بينكم؟! فأعجبه قولها وقبّلها بين عينيها “«

٢قوله تعالى:

﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الروم 21

قرأتُ في التفاسير أنَّ اللام للاختصاص لا للملكية، فهل هذا معناه أنَّ النساء خُلقن للرجال فقط متعةً للرجال، كخلق الحيوانات مثلًا والأنعام والنبات وغيرها من المنافع التي ينتفع بها الرجال؟

٣قرأتُ في تفسير الطبري عند قول الله تعالى:

﴿لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ ﴾ (الأعراف 189) ليأويَ إليها لقضاء حاجته ولذته، فهل هذا كلُّه يفيد أنَّ المرأة متعةٌ جنسيةٌ فقط لا غير، ولهذا خلقنا الله حتى يستمتع بنا الرجل؟

٤النصوص أو التفاسير التي تظهر بها حال النساء من أنهن ناقصات عقلٍ وسفيهاتٍ، وكذلك أنَّهم أخسُّ الجنسين، وأقلُّ النوعين وما شابه، قرأتُ في ذلك كلامًا لابن القيم معناه أنَّ دية الرجل ضعفُ المرأة لأنَّ دوره أعظم.

 5- قالوا أنَّ المرأة أفعالها انخفاضية، والذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى، وقد أشار تعالي إلى ذلك بقوله بعد أنْ فرَض الفرائض وفاوَتَ بين مقاديرها ﴿ابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ﴾ سورة النساء 11

6العقيقة، والفرق بيننا وبين الذكور، فأمرُ التفضيل فيها تابعٌ لشرف الذكر، وما ميَّزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة به على الوالد أتمَّ، والسرور والفرحة به أكمل؛ كان الشكران عليه أكثر؛ فإنَّه كلما كثرتْ النعمة كان شكرها أكثر، هذا كلام ابن القيم رحمه الله. 

٧في حديث الصبر على البنات قال النبي : “فمن ابتلي”، فهل نحن بلاء؟

أرجو منكِ تفصيل هذه النقطة لي، أحيانًا يوسوس لي الشيطان، وأشعر أنَّ حياتي أصلًا بلا قيمةٍ، وأني من جنس خسيس وليس لنا شرف، فلا أريد أن أسلِّم نفسي للشيطان، وأكفرَ أو أجنَّ، فساعديني بارك الله فيكِ...

أقول وبالله التوفيق:

أما عن سؤالكِ عن الغاية التي خلقنا الله لأجلها فأقول:

اعلمي يا ابنتي أنَّ الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه، وجعل للبشر حياةً دنيويةً قصيرةً، فمن أطاعه فيها واتَّبعَ رضوانه جزاه بقربه وجنته في نعيمٍ مقيمٍ، ومن عصاه وتمرَّدَ عليه وأعرضَ عن هداه جزاه بعقابه وناره.

والله جل جلاله لا يعامل عباده بالعدل فقط؛ بل يعاملُهم بالحلم والفضل، فمن عمل سيئة كُتبتْ عليه واحدة، ومن عمل حسنةً كُتبتْ عشرًا، ويضاعفها أضعافًا كثيرةً، ومهما عصاهُ العباد وطغوا وبغوا فإنهم إذا تابوا قَبِل منهم، وعفى عنهم، بل وفرح بتوبتهم جل جلاله، وكتب سبحانه: “إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِ[1].

واعلمي:

أنَّ العبادة قائمةٌ على الابتلاء، والابتلاء معناه الاختبار، وذلك حتى يظهر صدق المؤمن المخلص، ويظهر فساد قلب المنافق أو المتلاعب أو الكافر، قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ﴾  سورة الملك 2

فالله يبتلي العباد بتكاليف وينظر من يسلّم ومن يُعرض، ولا يثبت إيمان أحدٍ إلا بالتسليم لله، فإنَّه أحكم الحاكمين.

وعقول البشر مهما بلغتْ فإنها تتقاصر أمام كُنْهَ حكمته، وإدراك سر قدره سبحانه ربي جل في علاه.

والله سبحانه لم يفرقْ بين الذكر والأنثى في هذا الأمر أبدًا، فلم يجعل ثواب العمل الواحد يختلف لأجل جنس المتعبد، ولم يجعلْ التفاضل في الآخرة بسبب ذلك، بل الذكر والأنثى متساوون عند الله في جزائهم وعبادتهم وثوابهم وسيئاتهم، قال ربناجل جلاله : ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾  سورة النحل 97

وقال جل جلاله: ﴿إنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ سورة الأحزاب 35

أما قولُكِ عن لام الاختصاص في قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا﴾ سورة الروم 21 فمعنى لام الاختصاص هنا هو اختصاصُ جنس الرجال واختصاصِ العدد.

اختصاص الجنس يتمثل في كون:

المرأة زوجةٌ للرجال، فالله خلقها لذلك كما خلق الرجال لذلك، ولا يكون التزاوج بين أجناسٍ مختلفةٍ عن البشر كالبهائم أو الجن.

اختصاص العدد يتمثل في كون:

المرأة خاصةً لزوجها، فلا تكون زوجةٌ لأكثر من رجل، وهذا لا إشكال فيه أبدًا.

ومما يدل على خطأ فهمك:

 أنَّ دور المرأة قد يكون للشَّمِّ والضَّمِّ (فقط) أن جميع عقلاء بني آدم لا يرون الزواج كذلك!

ولا الشرع حصرَ الزواج بذلك، بل الزواج أسماه الله ميثاقًا غليظًا، ورتَّبَ عليه حقوقًا وواجباتٍ، وقواعد وأسسًا، وجعله نواة بناء المجتمع ومصنع الناجحين والصالحين.

ومع ذلك فلا يجوز أنْ ننظر لجانب ٍمن علاقة الرجل بالمرأة في الزواج ونزدري ذلك، ونساويَ المرأة بالبهائم والنبات، لكونها تمارس مع زوجها أمرًا فُطرا عليه ويشتركان فيه، فهذا تشويه للفطر ومسخ للطبيعة، لا يقرّه شرعٌ ولا عقلٌ. 

أما قولك عن معنى قول الله جل جلاله ﴿لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ ﴾ (الأعراف 189)

فإنَّ التعبير بالسكون هو من أبلغ التعابير هنا، فالرجل مهما كان حاله صغيرًا أو كبيرًا، قويًا أو ضعيفًا، فإنَّه يفتقرُ بفطرته إلى مخلوقة يأوي إليها ويجد معها الاستقرار والاطمئنان والمودة والرحمة وقد جعل الله المرأة مأوى قلب الرجل وبيته الحقيقي، وبيتٌ ليس فيه امرأةٌ بيتٌ مظلمٌ بائسٌ.

ومما يدلُّ على أن السكون هنا ليس فقط سكون الفراش:

 قوله ﷻ بأنَّه جعل بينهما مودةً ورحمةً، والمودة والرحمة شاملةٌ للحياة المعيشية وللعلاقة الزوجية، فهي شاملةٌ لسائر شؤونِهما.

وأما عن نقلك عن الطبري:

فهذا لخطأ منهجي علمي، لو عرفتيه لاسترحتِ، وهو أنَّ المفسر لا يحيط بمعنى كلِّ آية، بل أحيانًا يذكر جزءًا من معناها اكتفاء بذلك، وإشارة ًإلى سائر المعنى بدلالة الالتزام أو التضمن.

ومهما يكن من شيء:

فلماذا وقفت على كلمة الطبري ولم تقفي على كلام غيره كابن كثير حينما قال:﴿لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ ﴾ (الأعراف 189) أي: ليألفها ويسكنَ بها.

وتفسير البغوي حينما قال: ليأنسَ بها ويأوي إليها“.

والأنسُ بالشيء دليلٌ على حسن العلاقة وجمالهِا وإخلاصِها. 

أما عنْ كلمة رملة بنت الزبير أننا النساء للشًّمِّ والضَّمِّ فجواب ذلك في عدة نقاط:

أولًا: هذه القصة ليس لها إسناد صحيح تثبتُ به، ولو أنك تكلفت سؤال أهل العلم من البداية لما دخلتِ في دوامة الظنون والاضطرابات التي بُنيت فوق هذا النص وهو غير ثابت أصلا.

ثانيًا: على فرض ثبوت هذه القصة فليس قول رملةُ حُجَّةً في الدين؛ فالحُجَّة تكمن في كتاب الله Y وسنة رسوله وعمل الصحابة رضي الله عنهم، ورملة ليست صحابية.

ثالثًا: إذا نظرنا في سياق القصة سنعلمُ قدر عقل رملة وحكمتها، وسنعرف قصدها الصحيح دون قطع الكلام عن سياقه الذي يفسد معناه.

فإن رملة هي أخت عبدالله بن الزبير، وزوجها هو خالد بن يزيد بن معاوية، وكان بينهما نزاعٌ، فزوجها بعد خصومته مع أخيها (وكانوا أمراء وبينهم خصوماتٌ سياسيةٌ).

سألها عن رأيها فيهما، فكانت من حكمتها أنَّها لا تريد أن تخسر أخاها ولا زوجها، فتلطفتْ مع زوجها بهذه العبارة وكأنها تداعبه وتقول له:

 أنا لك كزهرةٍ في أحضانك، فلا تدخلني في خصومتكم حتى لا أخسركما

لذلك عرف زوجها قصدها فقام وقبَّلها بين عينيها إكبارًا لها. 

أما عن قولك أن النساء أخسُّ الجنسين وأقلُّ النوعين وما شابه، فأين وجدتِ ذلك؟!

هل قرأتِ في كتاب اللهY  أو في سنة رسول الله أو في أقوال الصحابة رضي الله عنهم أنَّ النساء كذلك؟!

هل حينما جعلَ الله بين الزوجين مودةً ورحمةً، نفهم أنَّ الله جعل ذلك للرجل مع جنسٍ خسيسٍ؟!

هل حينما يصفُ الله Y طباع الجاهلية بأنَّهم كانوا يتضايقون ويتحرجون إذا بشروهم بولادة الأنثى؛ هل كان هذا تعليمًا للمسلمين بأنَّ جنس النساء خسيسٌ، ويحقُّ للرجل أن يتضايق من ولادة جنسٍ خسيسٍ؟!

هل حينما جعل الله جل جلاله أحد النساء آيةً للعالمين وهي مريم فيقول:

﴿وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ سورة الأنبياء 91

هل اختار الله Y واحدةً من جنسٍ خسيسٍ، الغاية منها للشَّمِّ والضَّمِّ؛ ليجعلها آية لكلِّ من جاء بعدها؟ ويخلد ذكرها في أعظم كتاب وهو القرآن؟!

هل حينما يقول النبي للرجال:” خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ[2]، وقوله : “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ[3]، هل كان يعلم الرجال أنَّ المرأة جنسٌ خسيسٌ غايته للشَّمِّ والضَّمِّ؟

هل حينما يتذكر النبي خديجة رضي الله عنها بعد موتها بسنوات طويلة فيذكر فضلَها؟

ويقول وفاءً لها:آمَنَتْ بي إذ كفَرَ بي الناسُ، وصدَّقَتْني إذ كذَّبَني الناسُ، وواسَتْني بمالِها إذ حرَمَني الناسُ، ورزَقَني اللهُ عزَّ وجلَّ ولَدَها إذ حرَمَني أولادَ النِّساء.[4]

هل كان يراها للشَّمِّ والضَّمِّ فقط وأنَّها جنسٌ خسيسٌ؟!

النبيُّ وهو رسول الله وعنده من المهام ما لا يقدُرُ عليها سواه، ومع ذلك يذهب ليصلِّي على قبر امرأةٍ سوداء كانت تكنسُ المسجد، فهل حينما فعل ذلك كان يرى أنَّ المرأة فقط للشمِّ والضمِّ وأنها جنس خسيس؟

وحينما رأى النبي في وحي المنام أنَّ من أمَته من يغزو عن طريق ِالبحر فسألته أمُّ حرامٍ أنْ يدعو الله بأن تكون منهم، ثم بعد سنوات طويلة تحقَّقت الآية وذهبت معهم وماتت هناك بعد وصولها شهيدة في سبيل الله Y، فهل حينما سألت النبي ذلك قال لها: مالَكِ ولهذا فإنما أنت جنس خسيس مخلوق للشَّمِّ والضَّمِّ فقط؟!

هل حينما عظّم النبيحقَّ الأمِّ وجعله ثلاثة أضعاف حقِّ الأب كان يرى أنها جنسٌ خسيسٌ مخلوقٌ للمتعة فقط فلا يُصرف لها هذا البرُّ الكبيرُ؟!

هل حينما سألته امرأةٌ سوداء فيها صرعٌ فخيَّرها بين أن تصبر وتكون معه في الجنة هل كان يراها جنسا خسيسًا لا يرقى بأن يصاحبه في الجنة وهو أفضل الخلق؟!

هل حينما قال عن فاطمة رضي الله عنها أنها بضعةٌ منه، هل كان يرى أنَّ النساء جنسٌ خسيسٌ للشَّمِّ والضًّمِّ فقط كيف يجعلها قطعة منه وهو أشرف البشر وسيد الخلق؟!

حينما تأتي النبي امرأةٌ من الأنصار مع صبي لها وتحدِّثه بأمرٍ لها ثم يقول لها: والذي نفسي بيده إنَّكم لأحبُّ الناس إليَّ، ثلاث مرات[5].

هل كان يراها جنسًا خسيسًا لا يستحقُّ أن يحلف لها بهذه المشاعر النبيلة الفاضلة تجاهها معشر الأنصار بل ويكرر ذلك لها ثلاث مرات؟!

حينما يزور أبو بكر وعمر أم أيمن الحبشية حاضنة النبي ثم يذكرون رسول الله فتبكي ويبكون لذلك، هل كانوا يرونها جنسًا خسيسًا لا تستحق أن يقوم خليفة المسلمين ووزيره بزيارتها وإكرامها؟!

والأمثلة على ذلك كثيرةٌ ذات دلالةٍ قطعيةٍ جليةٍ على عكس هذه المعاني الغريبة التي تظنونها.

اعلمي:

أنَّ المرأة جنسٌ كريمٌ شريفٌ واحتقارَها معصيةٌ!

فقدْ قال النبي :بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ [6].

فأيما امرؤٌ (رجلًا كان أو امرأةً) احتقر إنسانًا مسلمًا فإنه عاصٍ لله بهذه المعصية التي قد تكون في ظاهر الحديث من كبائر الذنوب. 

وأما سؤالك عن دور المرأة:

 فإني لا أريدُ المبالغة بمدح المرأة كي أرضي وأشفي شيئًا في قلبك، وإنما سأتوسط بعرض الحقِّ، وأقول:

 بأنَّ الله Y قسَّم المهام بين عباده كلٌ بحسب ما حمّله الله وكلفه، وجعل للمرأة دورًا لا يقدرُ عليه سواها وأن دورها مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالمجتمع ككل، فإذا أصلح النساء بيوتهن انصلح المجتمع لأنَّ المجتمع عبارة عن نتاج بيوتات النساء، وإذا أهملَ النساء ذلك فسد المجتمع، فهي سكن الرجل ومأوى قلبه وبدنه، وهي المربية الراعية لبيتها وذريتها، فمهمتُها لا يقدر عليها سواها وهي أهم المهمات.

وحتى لو لم تكنْ أمًا؛ فإنَّ مجرد صلاح النساء صلاحٌ للمجتمع، فإنَّ الرجال الفاسدين إذا لم يجدوا نساء فاسدات فإنَّ فسادهم سيقف أو يقل أما إذا فسد النساء فإنَّ الرجال تلقائيا سيفسدون ولن ينصلح مجتمعٌ دون صلاح المرأة!

فالمرأة سواء كانت أمًّا أو عازبةً؛ صلاحُها وفسادُها ينعكس على المجتمع. 

وأما قولكِ: ورأيتكن تَقُلْنَ عنها (أفعال انخفاضية) فلا أدري من قال ذلك!

وهذه المسائل يُرجع فيها إلى الشرع الحاكم على الجميع، وأنت تأتين بقول غريبٍ لم يقله من يوثق بعلمه ويُرجع لرأيه، ثم تنسبينه كنسبة الأقوال الموثوقة وتبنين عليها رأيًا واعتقادًا ونقاشًا، وهذا غلطٌ ظاهرٌ!

وأما قولك عن تفاضل الدية والعقيقة:

 فأجيب

أولًا: الأصل في أحكام الله Y هو التسليم لها والانقياد، فليس كلُّ حكم نعرف حكمته، ولو لم يكن إلا الابتلاء والاختبار من الله بأحكامه ليظهر صدق المستسلم والمنقاد لله من غيره لكفتْ بذلك حكمةٌ بالغٌة من الله Y .

فإنْ عرفنا الحكمة بنصِّ الشرع فالحمد لله وإلا فيبقى هناك آراءُ للعلماء في استنباط حكمةٍ وعلة الحكم ومن ذلك قول ابن القيم رحمه الله في الدية والعقيقة أنَّ تفاضلها لتفاضل جنس الذكور على الإناث.

وأنتِ ذكرتِ أنَّكِ لا إشكال عندكِ بتفضيل الجنس دون الآحاد فيفترض أنْ لا تكون هنا مشكلةٌ إذن.

ولكنْ أقول مزيدًا للتوضيح:

 بأنَّ تفضيل شيءٍ على آخر لا يستلزم احتقار المفضول ولا التقليل من شأنه.

فتأملي معي

 الأنبياء أفضل البشر، والصحابة أفضل ممن جاء بعدهم، وهؤلاء أنفع للناس ممن سواهم ولا يعني ذلك أنَّ الرجال يرون في هذه المفاضلة تحقيرًا لهم وتقليلًا لأهميتهم وإلغاءً لدورهم بل يبقى لمن سواهم فضلهم وكرامتهم وأهمية حياتهم.

وأما لماذا هؤلاء أفضل من هؤلاء سواءً بين الرجال والنساء أو بين الرجال أنفسهم فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء وحكمته Y تتقاصر عنها العقول.

﴿وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ سورة النساء 95

 

وأما عن مسألة نفع الذكور:

فهذا لا يخالفُ فيه عاقلٌ بأن تكاليف الرجال أكبر، فإنَّ الأصل أن َّ غير مكلفةٍ بشيءٍ سوى بيتها الذي ترعاه إن كانت ذات زوجٍ وغير ذلك فإنَّها تعيش في سكنها أميرة ًمكرمةً والرجل مكلفٌ بالسعي عليها وقضاء حوائجها وحمايتها ولو بدمه وحمل السلاح في الحروب دفاعًا عن الحقوق وغيرها من التكاليف الثقيلة بل حتى العقيقة هي تكليفٌ على الأب، فهل غاب عنك كلُّ ذلك ونظرتِ إلى عقيقة واحدة تقع مرة في عمر الذكر؟

فهل ذبح عقيقة زائدة هي التي تنسف جميع معاني وأصول الشريعة في فضل المرأة وتكريمها؟

إن َّالفضل الحقيقي:

 عند الله هو بالتقوى، وأما تفاضل الدنيا فللدنيا، أما ترين أن جميع دول العالم تفاضل في رواتب موظفيها، فتعطي الطبيب مميزات ورواتب أكبر من راتب المزارع على سبيل المثال، والحُجَّة بأن هذا عمله أشقُّ ونفعه أكبر.

ولا يقول أحد بأن المزارع ليس له أهمية وأنه محتقر لهذا التفاضل في الرواتب، وأنهم عنصريون بهذا التفريق! 

بل للمزارع أهميةٌ تعمُّ المجتمع كلَّه، ولا يستغني عنه أحدٌ ولولاه لهلك الناس، فعلمنا أنَّ لكلِّ موظفٍ أهميته ودوره وعلى ذلك قُسِّمت معايش الخلق. 

وأما قولكِ:

 بأنَّ توصية الشرع بالنساء فهذا لضعف عقلهن وقال: (فإنَّهن عوان ٌعندكم؛ يعني أسيرات).

فأقولّ:َ بأن حَصْرَ التَّوصية بالنساء لكونهن ضعيفات العقل فهذا لم يقله العلماء.

ولا أدري لماذا يتكرر معك أن يكون عندك فهمٌ خاطئٌ أو قولٌ لا يصح ثم تنطوين عليه بفكركِ ومشاعركِ فيورثك همًا وغما.

والصَّحيح:

 أنَّ هذه التوصية لأجل ضعف المرأة، فالمرأة في خلقتها أضعف من الرجل، والرجل أقوى منها جسدًا وقلبًا.

 فإذا غابت الوصية الشرعية بالنساء طغى الرجال وظلموا النساء، وعاملوهن أسوأ معاملةٍ كما وقع ذلك في الغرب سواءً قبل حركة ما يسمى بحقوق المرأة وحتى الآن فإن المرأة في المجتمع الغربي لا تأمنْ الظلم كلَّ دقيقة في حياتها.

ووصف الإنسان بالضعف النسبي لا يعيبه فلكل جنس ضعفه، فالمرأة ضعيفة إذا ما قورنت بالرجال، والرجل فيه ضعفٌ أيضا وأول ضعفه أمام المرأة.

فإن الرجل مهما كان عاقلًا معرضٌ لأنْ تغلبه المرأة بكيدها، لذا قال النبي :مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ[7].

وكذلك الرجل ضعيفٌ أمام شهوتِه فقال سبحانه: 

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾ سورة النساء 28

جاء في تفسيرها كما عند ابن كثير: أي: ضعيفٌ في أمر النساء، يذهب عقله عندهن”.

فهل صار الرجل حزينًا بائسًا مهمومًا ناقمًا على الشرع لكونه ضعيفًا خصوصًا أن ضعفه أمام المرأة؟!

أم ْعلمَ أنَّ الذي خلقه قد أعلمه بحاله كي يتعايش مع خلقة الله تعايشًا صحيحًا فطريًا، ولا يغير أو يصادم طبيعته فيضلَّ ضلالًا بعيدا.

هكذا ينبغي أن تفهم المرأة ضعفها: 

بأنه ضعفٌ نسبي في مقابل الرجال وأن َّهذا لا يعيبها في شيءٍ أبدًا بل لا يجوز نسبة العيب لخلقة النساء 

فإنَّ كل خلق الله حسنٌ كما جاء في الحديث.

وأما قولكِ من ابتلي من هذه البنات.

فأقول: نصُّ الحديث هو:” مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ [8].

فيجب أولًا:

 أن نعلم أنَّ الابتلاء هو بمعنى الاختبار، كقولِه سبحانه: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ﴾ سورة الملك 2

 أي: ليختبركم فيظهر أيكم أحسن عملًا.

 ونعلم أيضًا:

 أنَّ كلفة رعاية البنات أكثر من غيرهن، فإنَّ البنت غير مكلفة بالسعي والتعب ومعالجة المشاق في ذلك، وأيضا طبيعتها لاسيما في الأزمنة السابقة لا تقوى على مصارعة الحياة في الخارج مع الرجال، وإنَّما الواقع أن تبقى كالأميرة في البيت والرجل هو من يتكلف الرعاية والسعي علاوةً على كلفة التربية والتعليم وغير ذلك، فالرجل في هذه الحال تزيد الكلفة عليه وتثقل على نفسه، فرغَّبه الله بهذا العمل وجزاه عليه حسن الثواب كرامةً للأنثى التي يرعاها.

وهذا الحديث فيه فضل الأنثى بأنَّها سببٌ لدخول الرجل الجنة بمجرد رعايتها والإحسان إليها، فأيُّ فضلٍ وشرفٍ للأنثى في هذا الحديث.

ختامًا:

 أقول لكِ يا ابنتي ناصحةً ومحبًة لهداكِ وتوفيقكِ بأنَّ الطريق الذي تسيرين فيه لن يأتي لك بخير، فانظري إلى الضنك القلبي والعقلي والصراع النفسي الذي تعيشينه وهذا يدلُّ على فساد هذا الطريق، وعلاجه الوحيد هو بترويض النفس على التسليم لأمر الله، وأن الإنسان مهما جاءه من أمر شرعي لم يدركْ تمام حكمته فليسلمْ لله مطمئنًا بأنَّ حُكمَ الله هو الأفضل بلا شكٍ  وأنَّ عقله ربما لم يصلْ إلى الآن لإدراك حكمة الأمر الشرعي وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه “إذا حُدثتم عن رسول الله فظنوا به الذي أهداه وأهناه وأتقاه”[9].

وهذه قاعدةٌ عظيمٌة ذكرها علي بن أبي طالب رضي الله عنه تورث القلب اطمئنانا وسكينةً وراحةً تجاه شرع الله.

والله الموفق لا ربَّ لنا سواه

 

[1] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (7422)، ومسلم في صحيحه برقم: (2751).
[2] أخرجه الترمذي في جامعه برقم: (3895).
[3] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (3331)، ومسلم في صحيحه برقم: (1468).
[4] أخرجه أحمد في مسنده برقم: (25504).
[5] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (3785)، ومسلم في صحيحه برقم: (2508).
[6] أخرجه مسلم في صحيحه برقم: (2564).
[7] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (304)، ومسلم في صحيحه برقم: (49).
[8] أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (1418)، ومسلم في صحيحه برقم: (2629).
[9] أخرجه ابن ماجه في سننه برقم: (19).



                                    وكتبته 
                            الفقيرة إلى فتح الفتاح
                            هيا بنت سلمان الصباح

لا توجد أفكار عن “وَهْن النسويات..”

    1. جزاكِ الله خيرًا أختي علي الدعوة أنا صاحبة الرسالة , الحمد لله رب العالمين وفقنا الله و إياكم لكل خير وبفضل الله جميع تلك الأفكار ذهبت من بالي بفضل ربي عليّ بالتضرع لله وحده أولًا والذي وفقني للإرسال للدكتورة وقراءة رسالتها الطيبة .

  1. فايزة يحياوي يحيى محمد (أم يحيى)

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حياك الله شيختنا الفاضلة جزاك الله خيراً على كلامك الطيب الذي فيه بلسم لكل متخبط في وساوس الشيطان فقد وفقك الله وسددك في الرد على تلك الشبهة نفع الله بك فقط سؤال او طلب انا طويلبة علم اقدم لاخواتي مواعظ من كلام العلماء والمشايخ حفظهم الله و حتى الداعيات والشيخات اللاتي نحسبهن على المنهج بطرح الشرح كاملا كما هو مع نسبته لقائله حرفيا الا في حالات نادرة عند تعذر الفهم عند إحداهن فابسط لهن المعومة فهل تأذنين لي بنشر ما تقدمينه مما أحب إصاله لهن من مؤلفاتك او كلامك؟ وجزاك الله خيرا

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل مع الدكتورة